محمد جمال الدين القاسمي
37
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وتندفعون فيه وَما يَعْزُبُ أي يغيب عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ أي نملة أو هباء فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أي في دائرة الوجود والإمكان . وقوله تعالى : وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ كلام برأسه ، مقرر لما قيله ، أي مكتوب مبين ، لا التباس فيه ، والمراد بالآية البرهان على إحاطة علمه تعالى بحال أهل الأرض ، بأن من لا يغيب عن علمه شيء كيف لا يعرف حال أهل الأرض ، وما هم عليه مع نبيه صلى اللّه عليه وسلم . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 62 إلى 64 ] أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 63 ) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 64 ) أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ جمع وليّ . وهو في الأصل ضد العدوّ ، بمعنى المحب وجاز كونه هنا بمعنى الفاعل ، أي الذين يتولونه بالطاعة ، كقوله تعالى : وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ [ المائدة : 56 ] وبمعنى المفعول أي الذي يتولاهم بالإكرام كقوله تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] ، وقوله : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . . . [ المائدة : 55 ] الآية - وكلا المعنيين متلازمان : لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من لحوق مكروه ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي من الفزع الأكبر ، كما في قوله تعالى : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [ الأنبياء : 103 ] . الَّذِينَ آمَنُوا أي بكل ما جاء من عند اللّه تعالى وَكانُوا يَتَّقُونَ أي يخافون ربهم ، فيفعلون أوامره ، ويتجنبون مناهيه ، من الشرك والكفر والفواحش . ومحلّ الموصول الرفع على أنه خبر لمحذوف ، كأنه قيل : من أولئك وما سبب فوزهم بذاك الإكرام ؟ فقيل : هم الذين جمعوا بين الإيمان والتقوى المفضيين إلى كل خير ، المنجيين من كل شر . أو النصب بمحذوف . وقوله تعالى : لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ الْبُشْرى مصدر إما باق على مصدريته ، والمبشر به محذوف ، أي لهم البشارة فيهما بالجنة ، وإنما حذف للعلم به من آيات أخر كقوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا . . . * إلى قوله : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ